روايةحدودكونكورد

علي الحربي

واحدالباب

وقفوا ثلاثتهم أمام الباب. طرق الميكانيكي مرّتين، وانتظر. كان الممرّ ضيّقاً وبارداً، ومصباح واحد فوقهم يرتجف كلّما تحرّك أحد في الطابق الأعلى. المرأة إلى يساره تقلّب بطاقتها بين أصابعها دون أن تنظر إليها، والطويل متّكئ على الجدار المقابل يدخّن، ولم يكن ينوي أن يساعد في شيء.

"ما فيه أحد،" قالت.

"فيه." طرق مرّة ثالثة، بظهر يده، بلا عجلة. "شفت الضوء ينطفي لمّا وصلنا."

مرّت لحظة طويلة، ثم جاء صوت من الداخل، صوت رجل يحاول أن يبدو أكبر ممّا هو: "السفينة مو للبيع."

"ما جينا نشتريها." قال الميكانيكي.

سمعوا شيئاً يُجرّ خلف الباب، ثم صوتاً آخر أصغر، سأل سؤالاً لم يسمعوه كاملاً، وأسكته الرجل بكلمة واحدة.

نظرت المرأة إلى الميكانيكي. لم ينظر إليها.

"كم باقي له؟" قالت المرأة.

أخرج الورقة من جيبه وقرأها في الضوء المرتجف. أربعة أشهر متأخّرة، وختم الرصيف من أمس، وتوقيع لا يعرفه.

"ما باقي له شي."

فُتح الباب. كان الرجل في الأربعين وأصغر من ذلك في الوقت نفسه، حافياً، وخلفه في العتمة عنبرٌ رُتّب ليكون بيتاً: فراش على الأرض، وصحون مغسولة مرصوصة على صندوق، وحبل ممدود عليه ملابس صغيرة. ما نظر أحد منهم إلى الحبل.

مدّ الرجل بطاقته دون أن يُسأل. أخذها الميكانيكي وقلّبها مرّة في يده. ليف مضغوط، رخيصة، مثقوبة عبر عرضها كلّه حتى ما بقي فيها مكان لثقب آخر. أخرج قارئه من جيب مريلته ومرّرها عليه، فأضاء الرقم ثم انطفأ. ثلاثون يوماً أخرى.

"ما طلبت هذا،" قال الرجل.

"أدري."

ثم أعطاه البطاقة، وأخذ منه السفينة.

في الممرّ، بعد أن ابتعدوا، قالت المرأة دون أن تلتفت: "ثلاثين يوم ما تنفعه."

"لا، ما تنفعه." قال الميكانيكي.

"إذاً ليش؟"

لم يجب. كان الطويل يمشي خلفهما، يطفئ سيجارته في علبة معدنية أخرجها من جيبه، لأنه لا يرمي شيئاً على الأرض أبداً، وهو الشيء الوحيد المرتّب فيه. ما فتح فمه طوال الوقت، وما لمس شيئاً، وما طُلب منه ذلك. هذا شغله: يجيء معهم إلى الأبواب التي قد تسوء، فيقف، ولا يفعل شيئاً. ومنذ سنوات ما ساءت واحدة.

اثنانالعنبر

سفينتهم أكبر ممّا يحتاجون بكثير. بُنيت لتُدار بعشرين رجلاً وهم ثلاثة، وفيها سبعة عشر سريراً لم ينم فيها أحد منذ سنوات، ولا أحد يتكلّم عنها. يعيشون في عنبر الشحن لأنه المكان الوحيد الذي فيه متّسع. سحبوا إليه أريكة طويلة من قاعة انتظار في المحطة قبل سنوات، مشقوقة ومرقّعة، وصندوقين، وتلفازاً قديماً وجده الميكانيكي في حطام سفينة سياحية ولم يدفع فيه شيئاً. يشتغل التلفاز. لا يعرض إلا قناة واحدة: قائمة تمرّ ببطء من أعلى الشاشة إلى أسفلها، ما بيع اليوم وما هو مطلوب، وفي آخرها أعمال النقل. يجلسون أمامه كل ليلة تقريباً، لا لأن أحداً قرّر ذلك، بل لأنه الشيء الوحيد في السفينة الذي يعطي ضوءاً دون أن يُطلَب منه. وله ترتيب لم يضعه أحد. المرأة تصل أولاً وتنام قبل أن تنتهي الساعة مهما أقسمت أنها ستسهر. والطويل لا يشاهد الشاشة أصلاً، بل يجلس مائلاً عنها قليلاً، يدخّن، ويراقب الاثنين في انعكاس الزجاج. والميكانيكي يبقى حتى يذهب الجميع ثم يطفئه بنفسه، لأنه الوحيد الذي يفكّر في الكهرباء. والقطّة تختار حِجراً كل ليلة. لا أحد يعرف كيف تختار، لكنهم عرفوا مع الوقت، دون أن يتناقشوا في ذلك يوماً، أنها تجلس عند من كان يومه أسوأ. وهي أقرب شيء عندهم إلى محادثة.

في تلك الليلة جلست عند الميكانيكي. لاحظت المرأة، ولم تقل شيئاً.

ثلاثةالدرج

في الصباح صعد الميكانيكي إلى سطح الرصيف ليجلب الماء، وتأخّر. الدرج ثمانية عشر درجة. عدّها وهو صغير حين وصل إلى هنا أول مرّة، ولم ينسَ الرقم، وصعده مرّتين كل يوم ثلاثين سنة.

وقفت المرأة في الأعلى تنتظره ومعها الجالون الفارغ. وصل وقد ابيضّ وجهه قليلاً، وأخذ نفساً ثم أخذ آخر.

"خذ." قالت، ومدّت له الجالون.

"أقدر أحمله."

"ما قلت ما تقدر."

أخذ منها الجالون.

"من متى؟" قالت.

"من شهرين."

"رحت للوحدة الطبية؟"

"الوحدة الطبية شغّالة." قال ذلك كأنه جواب، وكان جواباً في الحقيقة: الوحدة الطبية في الرصيف 12 تعمل تماماً منذ خمسة عشر عاماً، وما فيها أحد يعرف كيف يشغّلها.

أربعةالميزان

خرجوا ثلاثة أيام إلى حطام قديم في العتمة، وعادوا بستّة أطنان. هي التي اختارته. تقرأ القائمة كل ليلة قبل أن تنام، وتعرف أيّ حطام يستحقّ وقوده وأيّه لا يستحقّ، وتمسك القطعة بيدها فتقول رقماً قبل أن يصل الميزان إليه، ثم يطلع الميزان كما قالت. هذا الشيء الوحيد الذي لا تخطئ فيه أبداً. يقف الميزان في ساحة مسقوفة في طرف الرصيف، وفي جداره فتحة مستديرة بحجم صحن يدخل منها ما يُحمَل باليد، وبابٌ ضخم إلى جانبها يبتلع حاوية كاملة. حافّة الفتحة الصغيرة مصقولة لامعة من كثرة الأيدي.

أدخلوا ما جاؤوا به، فطحنه ورتّبه وفرزه، وخرج الرقم.

قرأه الميكانيكي مرّتين.

"النحاس وين راح؟" قال الميكانيكي.

"ما فيه نحاس،" قال الرجل خلف الطاولة دون أن يرفع رأسه. "أحد سبقكم له." ستّة أطنان حديد. والحديد يدفع أقلّ شيء. الحديد عملُ ظَهر.

ما نظرت إلى أحد. ما كان الحساب غلطها؛ أحد وصل قبلهم، وهذا شيء لا يُحسَب. لكنها ظلّت صامتة إلى السفينة.

في طريق العودة قالت: "كم ناقص؟"

"للرصيف؟ ثلاثة أسابيع وينقطع الماء والهواء."

"ما ينقطع."

"ما يقطعونه. بس ما يبيعونه." وهذا هو الفرق كلّه، ولا أحد هنا يحتاج شرحه.

خمسةالذهب

تلبس المرأة ذهبها كلّه دائماً، في المعصمين والأذنين والعنق، وقد ظنّ الناس سنوات أنها متباهية. الذهب لا ينتهي. هذا كل ما في الأمر. المال الذي في جيبك يموت إذا لم تجدّده في وقته، والذهب لا يعرف الوقت ولا يهمّه. وهي الوحيدة على متن السفينة التي فهمت ذلك مبكّراً، وأمّها فهمته قبلها.

ذهبت وحدها إلى الصرّاف: رجل عجوز إلى طاولة، ومعه درج وميزان صغير، وسعر ليس في صالح أحد أبداً.

وضعت السوار أمامه. السوار العريض الذي لم تخلعه من معصمها منذ ماتت أمّها.

وزنه، ثم نظر إليها.

"متأكّدة؟"

"وزنه وخلّصنا."

مشت إلى السفينة وذراعها اليمنى أخفّ ممّا كانت طوال حياتها، وأدخلت يدها تحت مرفقها في الطريق دون أن تنتبه، وظلّت تفعل ذلك أسابيع بعدها.

وحين سألها الميكانيكي في المساء من أين جاء المبلغ قالت: "جاء شغل."

"أي شغل؟"

"شغل."

ولم يسأل مرّة ثانية، في ذلك اليوم.

ستةالشبّاك

أمام شبّاك التصديق طابور كل صباح. الرجل الذي خلف الزجاج ليس شرّيراً. يفتح متأخّراً ويغلق مبكّراً، ويأخذ نسبته من كل بطاقة يمرّرها، وهذه مهنته. وكلّما تأخّر أكثر ماتت بطاقات أكثر، وكلّما ماتت بطاقات أكثر زاد ما يدخل عليه. لم يخطّط أحد لذلك، وهو لا يفكّر فيه.

وقفوا خلف رجل يعرفه الميكانيكي بوجهه ولا يعرف اسمه، يمسك بطاقته بيدين ويعيد النظر إلى التاريخ عليها كأن التاريخ قد يتغيّر.

وصل الشبّاك بعد ساعة وعشر دقائق. مرّرها الرجل خلف الزجاج على القارئ، ثم دفعها إليه.

"انتهت أمس."

"أمس؟"

"أمس."

"كنت في العتمة. ما فيه إرسال في العتمة."

"أدري."

وقف الرجل ولم يتحرّك. لم يصرخ ولم يطلب أن يكلّم أحداً، لأنه لا يوجد أحد يُكلَّم، وهو يعرف ذلك مثل الجميع. وبعد قليل شكره وخرج.

تقدّمت المرأة إلى الشبّاك ومرّرت بطاقتها.

سبعةالوعد

في نهاية الممرّ الشرقي مقهى صغير، تجلس فيه عجوز اسمها أمّ سالم منذ ما قبل أن يولد أيٌّ منهم. عمرها ستّ وتسعون. جاءت مع الموجة الأولى وهي في العشرين، ولم تعد، وتتذكّر ما قبل ذلك، وهي آخر من يتذكّر في هذا الرصيف كلّه. لا تتكلّم عن الحريّة ولا عن المحاكم. سألها الطويل مرّة، من باب المجاملة، كيف كانت الدنيا قبل، فلم تتكلّم عن شيء من ذلك.

"كانوا يقولون إن أولادنا ما بيمرضون."

رفع رأسه.

"يقولونها في الإعلانات. صورة بنت صغيرة تركض، وصوت يقول: هذا الجيل ما يعرف المرض. كنّا نصدّق." شربت من كأسها. "أنا أذكر الصوت، وما أذكر وجه البنت."

ضحكت ضحكة قصيرة كأنها تذكّرت شيئاً مضحكاً فعلاً، ثم سكتت.

"ماتت بنتي وعمرها أربعين. بشي كان لازم يكون له دواء."

لم يقل الطويل شيئاً. ما كان هناك شيء يُقال، وهي ما كانت تنتظر.

ثمانيةالورقة

قال أحدهم في السوق إن هناك طريقة: أن للدفتر باباً، وأنك تستطيع أن تكتب، وأن الكتابة تُقرَأ أحياناً.

جاء الرجل الذي أخذوا سفينته ومعه ورقة. وجد الميكانيكي في الساحة وسأله إن كان يعرف كيف تُملَأ، لأن الناس يقولون إنه كان يشتغل في القانون قبل.

جلسا إلى طاولة معدنية. في الورقة فراغ واحد كبير، وفوقه سطر: اشرح سبب الاعتراض.

أمسك الميكانيكي القلم.

وبقي القلم فوق الورقة. هو يعرف ما حدث: يعرف التواريخ، ويعرف أن الرجل كان في العتمة، ويعرف أنه دفع أربع سنوات في وقتها. يعرف كل شيء إلا كيف يُقال هذا لجهة بلا وجه. لأن هذا لم يكن يوماً شغل أحد. كان الناس يشترونه: تدفع فيكتب أحدهم عنك، ويعرف الكلمات ويعرف أين توضع. ثم صار شراؤه أرخص من تعلّمه، ثم لم يعد أحد يعلّمه، ثم لم يعد أحد يبيعه لأمثالهم.

"اكتب: أنا ما تأخّرت،" قال الرجل.

"هذا مو صحيح. أنت تأخّرت."

"طيّب اكتب إني تأخّرت لأني كنت أشتغل."

كتبها. ثم نظر إلى الجملة وحدها في فراغ كبير أبيض، وعرف أنها لا تكفي، ولم يعرف ماذا يضيف.

طوى الرجل الورقة وشكره وأخذها معه.

تسعةالدفتر

دفعوا للرصيف قبل الموعد بيومين. لم يسأل الميكانيكي من أين، لأنه سأل مرّة وأُجيب. لكنه اشتغل تسع عشرة سنة في القانون قبل أن يأتي إلى هنا، وذلك عمل يترك فيك عادة واحدة لا تفارقك: أن تقرأ الأرقام حتى حين لا تريد.

وفي الليل، والقائمة تمرّ على الشاشة والاثنان نائمان، مدّ يده وأدار الشاشة قليلاً وبحث عن قيد الدفعة.

كان هناك.

ولم يكن ذهباً مباعاً في السوق. جاء المبلغ من حساب. حساب قديم، من النوع الذي لا يفتحه أحد هنا ولا يستطيع، ولم يمسّه الوقت لأن الوقت لا يمسّ ما هو ساخن، ولم يُقتطَع منه شيء يُذكَر.

جلس طويلاً أمام الشاشة.

ثم نظر إلى الطويل النائم على طرف الأريكة ببذلته: الرجل الذي لا يشتغل يوماً أكثر ممّا يلزم، ولا يشتري شيئاً، ولا يشتكي أبداً.

ولم يوقظه.

وفي الصباح طبخ لهم كالعادة، وما قال شيئاً، وما زال إلى اليوم ما قال شيئاً.

عشرةالشاشة

في الوحدة الطبية شاشة واحدة تعمل. تضع يدك، وتنتظر، وتقرأ.

ذهب وحده في وقت لا يكون فيه أحد في الممرّ.

ظهر السطر بعد دقيقتين: اسمٌ لمرض لم يسمعه من قبل. وتحته سطر يقول إن العلاج غير متوفّر في هذه المنطقة. وتحته سطر ثالث يقول إن العلاج غير متوفّر.

قرأ الثالث مرّتين ليتأكّد أنه غير الثاني. وتحت ذلك كلّه، في أسفل الشاشة بخطّ أصغر: ما تبقّى عليه من قرض السفينة، وتاريخ الدفعة القادمة. الآلة نفسها التي كان يُفترَض أن تشفيه تحسب كم يدين.

لم يفكّر في ذلك بهذه الطريقة، ولم يفكّر في شيء تقريباً. وقف دقيقة ثم خرج، ونزل الدرج الثمانية عشر ببطء، ووصل إلى السفينة في وقت العشاء، وطبخ.

أحد عشرما يُترَك

في الرحلة التالية وجدوا رجلاً ميتاً في حطام. هذا يحدث. كان جالساً مربوطاً في مقعده منذ سنوات، وبطاقته في جيب صدره، وقد بقي عليها أحد عشر يوماً.

وقفوا حولها.

"عشرة بالمئة يمرّرونها ويسكتون،" قالت المرأة.

"تسعين بالمئة."

"طيّب تسعين."

أخذ الميكانيكي البطاقة ومرّرها على قارئه، فأضاء الرقم. وكان الرقم كبيراً. أكبر من كل ما رأوه في سنة.

لم يتكلّم أحد مدّة طويلة. حتى الطويل كفّ عن التدخين.

"له أهل؟" قال أخيراً.

قلّب الميكانيكي جيوب المعطف حتى وجد ورقة مطوية فيها اسم واسم رصيف. يطير الطويل. هذا الشيء الثاني الذي يعرفه، ويعرفه أحسن من أيّ أحد في الرصيف: ينزل السفينة على صخرة بلا إضاءة، باليد، ولا يوقظ النائم فيها. ما تعلّم هذا هنا، ولا يقول أين تعلّمه.

وأخذوها إليهم: أربعة أيام في الاتجاه الخطأ، ووقود لا يملكونه، وامرأة فتحت باباً ولم تفهم في البداية ماذا يريدون، ثم فهمت، ثم لم تشكرهم لأنها لم تستطع أن تتكلّم.

وفي طريق العودة كانوا أفقر ممّا خرجوا. هذا هو الفرق الوحيد بينهم وبين كل من في هذه الحدود، وهو يكلّفهم كل مرّة.

اثنا عشرالصحن

في الليلة التي بعدها كانوا في العنبر كالعادة.

مرّت القائمة على الشاشة كما تمرّ كل ليلة: ما بيع، وما هو مطلوب، ثم أعمال النقل في الآخر.

وما كان في المطلوب شيء. ليس قليلاً. لا شيء. سطر فارغ يمرّ ببطء، ثم تنتهي القائمة وتبدأ من أوّلها.

لم يعلّق أحد. المرأة كانت نائمة، رأسها على كتف الطويل، ويدها اليمنى تحت مرفقها كعادتها منذ شهر. والطويل يجلس مائلاً عن الشاشة يراقبهم في الزجاج، وذراعه على ظهر الأريكة خلفها، لا يلمسها.

قام الميكانيكي ودخل المطبخ وطبخ.

ووضع أمامها صحناً ممتلئاً، أول صحن ممتلئ منذ الربيع، ولم يقل معه كلمة.

استيقظت ونظرت إلى الصحن، ثم نظرت إليه، وفهمت بالضبط كم يعرف.

"جاي شغل،" قالت.

"إن شاء الله."

ثم أكلوا، ولم يتكلّم أحد.

وقطعت القطّة العنبر، ومرّت بالميكانيكي، ومرّت بالمرأة، وقفزت إلى حِجر الطويل. وما كان يومه سيّئاً. ما كان يومه سيّئاً منذ سنوات. وهذا هو الرجل بالضبط.

ولم يُنزلها.

السجلّ